الشيخ محمد رشيد رضا
81
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهذا من مرجحات اختيارنا لقول سيدنا عمر بن الخطاب في تعليل تسمية الخمر ، وانه مخامرتها العقل ، وقد بينا جميع ما قيل في ذلك في تفسير آية البقرة ( ص 331 ج 2 ) والمرجح الثاني كون هذا القول لإمام من أفصح العرب الخلص ، وأما غيره فهو مما استنبطه المولدون من كلام العرب الخلص . والثالث ان نقله أصح فهو مروي في الصحيحين وكتب السنن كما تقدم . وقد استدل بعضهم على كون الخمر مما يعصر ، أي لا مما ينبذ ويقطر ، بقوله تعالى حكاية عن أحد صاحبي يوسف ( ص ) في السجن ( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) وهو استدلال ضعيف وسخيف ، فان اتخاذ الخمر من العصير لا ينافي اتخاذها من غيره ، وليس في العبارة ما يدل على الحصر ، دع ما يمكن ان يقال من أن هذا القول حكاية عن أعجمي في بيان ما رآه في نومه مما هو معهود في بلاده ، فليس بحجة في لغة العرب ولا صناعتهم وصناعة غيرهم للخمر ، وبالأولى لا يكون حجة في الشرع وقد اشتبه على بعض الناس ما طبخ من العصير قبل وصوله إلى حد الاسكار أو بعده هل يسمى خمرا أم لا ؟ كما اشتبه على الكثيرين أمر النبيذ . ومن المطبوخ الطلاء وهو الدبس ويسمى المثلث إذا اشترطوا أن يغلى العصير حتى يبقى ثلثه ، ومنه الباذق - وهو ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخ حتى صار شديدا ، وهو اسم أعجمي ، وقيل أول من صنعه وسماه بذلك بنو أمية وانه مسكر ، وأظن أنه يكون قبل الطبخ مسكرا فلا يزيل الطبخ القليل اسكاره ، أو يترك فيه الماء بعد طبخه فيختمر كما يختمر العسل . وكذلك كانوا يفعلون بالدبس . ولو جاء الاسكار من طريقة الطبخ لكان نوعا ثالثا من الخمر . وفي صحيح البخاري ان ابن عباس سئل عن الباذق فقال : سبق محمد ( ص ) الباذق ، فما أسكر فهو حرام . اي ان العبرة بما يسكر من الشراب ولا عبرة بالأسماء ، فالعسل حلال ولكنه يمزج بالماء ويترك حتى يختمر ويسكر فيصير خمرا . وكل من عصير العنب ونبيذ الزبيب وغيره حلال ، فإذا اختمر وصار يسكر حرم قطعا ، وسمي خمرا ، لا عصيرا ولا نبيذا ، ومتى علم أنه صار مسكرا حرم شرب قليله وكثيره لا قبل ذلك « تفسير المائدة » « 11 » « الجزء السابع »